الحكمة من إنجاب الأطفال
د. نظام الدين إبراهيم أوغلو
باحث أكاديمي تركماني ـ تركيا
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه
وسلم وعلى آله وصحبه وسلم وبعد.
كما نعلم أن الغايَة
الأساسية من إنجاب الأطفال
هو تكوين أسرة سليمة وحماية النسل البشري في العالم الذي
نعيشه، وحماية النسل البشري لا تتم إلاّ بالزّواج الشرعي
كما أمرنا الله تعالى. وبالزّواج المَشروع تزداد الأنساب
وذُريّات صالحون وينشرون الخير والسلام والآمان في ربوع
الأرض. ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام يشجع الناس على
الزواج فقال (النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني) رواه
البخاري. وقال أيضًا (تزوّجوا فإنّي مُكاثرٌ بكم الأُممَ
يوم القيامة ولا تكونوا كرهبانيةِ النصارى) رواه البيهقي.
والغاية الأخرى لإنجاب الأطفال، أن الله تعالى يبتلي الناس
بأولادهم كما في بقية أنعم الله تعالى، فقال الله تعالى
(إنّما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجرٌ عظيم).
والإنجاب فِطرُة الله التي فطرها على كافة المخلوقات وسنة
من سنن الكون. وهو أيضًا من سنن الانبياء وسنة نبينا محمد
عليه الصلاة والسلام. والغاية الثالثة من الانجاب هو
التقوى، حيث أمرنا الله تعالى بقوله (يا
أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها
زوجها، وبث منهما
رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام،
إن الله كان عليكم رقيبا)
.
وهكذا فضّل الله تعالى بني آدَمَ وكرّمه على كافة خلق الله
تعالى فجعله أشرف المخلوقات، وخلقه في أحسن تقويم وجعله
خليفة الله في الأرض، ولأجل البشرية خلق الله الدّنيا
والأفلاك والأنعام والخيرات، وبشّرهم بسعادة الدارين
وبالجنة وبنعيمهما، مقابل ذلك أراد الله تعالى منهم
الإيمان به وبرسوله محمد وبطاعة أوامره كما جاء في القرآن
والسّنة. فالله تعالى يرزق من يشاء بأولاد وذريات، من أجل
إعمار الأرض والإشتراك في بناء الحياة الكريمة في كوكبنا
الارض، من دون أن يطغوا ويظلموا ويفسدوا فيها. وفيها جعل
الله تعالى على الوالدين واجبات وحقوق تجاه أولادهم كأن
ينشاؤا أولاد سعيدة مؤمنة بالله يدعون لهم بالخير وأن
يصبروا على أذاهم وتربيتهم، ومثل ذلك على الأولاد طاعة
أوامرهم وأن لا يردهم إلاّ بالقول اللّين الجميل. وللولدين
أيضًا واجبات تجاه الله تعالى إن شاء رزقهم أو لم يرزقهم
بأولاد ففي كلا الحالتين يجب عليهم الشّكر والصبر وعدم
العصيان، لأنّ الغاية الأساسية من خلق بني آدم في الأرض هو
طاعتهم لله تعالى ولرسوله الكريم ثم النجاح والفلاح في
إمتحانات وابتلاءات الدنيا، فيحصولون على رضاء الله ويدخول
الجنة خالدين فيها أبدًا. فقال الله تعالى (يومَ لا ينفعُ
مالٌ ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلبٍ سليم).
نظرة الاسلام إلى إنجاب الأولاد ووظائف الآباء تجاه ذلك
1ـ لقد خلق الله السموات والأرض وما فيها من أجل الانسان،
وخلق الذّكر والأنثى وشرّع لهم الزواج الحلال لأجل إدامة
النوع البشري وحفظ التناسل البَشري إلى يوم القيامة، ثمّ
حدّد لهما الواجبات والأعمال التي يجب أن يقوما بها، وخلق
لكلا الجنسين صفات ومميزات خاصة ومختلفة حتى يتمكنا أن
يكملا بعضهما ويتمكنا من أداء واجباتهما بشكل أفضل. ثمّ
أوجب لهما أن يذوقا طعم حياة الدنيا ومصائبها وابتلاءاتها،
هكذا يتكامل الإنسان فيزداد علمه وثقافته وتجاربه ويقل
أخطاءه وجبروته ويطيع الله تعالى فيسعد في الدنيا والأخرة
أو يستمر على جبروته وظلمه فيشقى في الدنيا والأخرة.
2ـ لقد خلق الله تعالى الإنسان من ذكر وأنثى وأولادا
كثيرا. ليكونوا عباد الرحمان وخليفته في الأرض وأن ينالوا
رضاء الله ويتنعموا بنعم الجنة. وهذا لا يتحقق إلاّ لمن
اتقى وعمل صالحًا وأفلح في ابتلاءات ومِحن الحياة، ثم صبر
عليها وشكر على قدر الله تعالى.
3ـ وجعل الله من الأطفال والأولاد زينة الحياة الدنيا
وطريق السعادة في الدارين. وبهم ابتلاهم الله فقال الله
تعالى (المالُ والبنون زينة الحياة الدّنيا).
(أفرأيت الذي كفر بأياتنا وقال لأوتين مالاً وولدًا).
(كالذين من قبلكم كانوا أشدّ منكم قوّةً وأكثر أموالاً
وأولادًا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع
الّذين من قبلكم وخُضتم كالّذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم
في الدّنيا والأخرة وأولئك هم الخاسرون).
ولأجل أن يتذوق ويتنعم الإنسان بهذه النّعم الكريمة، وخاصة
بنعم الأولاد عليه بالزواج وانجاب الأطفال، فمن حرّم عليه
هذه الفطرة الإلهيّة وحرّم عليه الأولاد خوفًا من الفقر
وصعوبة العيش أو غير ذلك، فقد
خسر سعادة الدنيا والأخرة
ونال عذاب الله في الدنيا والأخرة، فقال الله
تعالى (وَلاَ تَقْتُلوا أَوْلاَدَكُم خَشْيَةَ إمْلاَقٍ
نَحْنُ نَرْزُقُهُم وَإيَّاكُم).
(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ
كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا
تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ
بِوَلَدِهِ)
.
4ـ وعند تكوين الأطفال في رحم الإناث لفترة معينة، لها
حكمتها، في تعويد وتعليم الانسان على الصبر وتحمل الصعاب
والأذى، ويعلم الإنسان على التأني عند إنجاز الأعمال
الدّنيوية، لأنّ في العجلة تكثر الأخطاء ولاتتم إنجاز
الأعمال بصورة جيدة. والله تعالى بإمكانه أن يلد الجنين في
الرّحم بدقائق بدلاً من أن يمر بسبعة مراحل، وبتسعة أشهر،
وكان بإمكانه أيضًا أن يجعلهم في سنّ الرّشد بدقائق دون أن
يربي وينتظر الوالدين سنين عديدة ويتحملوا المتاعب والصعاب
الثقال من أجل تنشأتهم. كما نعلم أن لهذه الأمور حكم كثيرة
لا يعلمها إلاّ الله تعالى وفيها أيضًا ابتلاء للمؤمنين
إذا صبروا على كل ذلك، نالوا حب الله وجناته. والله لم
يخلق شيئًا باطلاً كما يدعي الأعداء في إنكارهم خلق الله
الكائنات فقال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ
اللّهَ قِيَامًا
وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي
خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً
سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ) آل عمران، 190ـ191.
5ـ كما ذكرنا لقد اعتبر الله تعالى إنجاب الأطفال من ضمن
الابتلاءات، لذا نهى الإسلام عن العجب والاغترار والتفاخر
بالأولاد
فقال الله تعالى (الم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم
انفسكم فتربصتم وارتبتم وغرتكم الاماني حتى جاء أمر الله
وغركم بالله الغرور) الحديد،15. لأنّ الغرور والتّفاخر قد
يؤدي إلى جرح شعور الأخرين. ثم الحقد والبغضاء والحسد
بينهم مما يؤدي إلى نتائج سلبية. فعلى الذين وهبهم الله
تعالى أطفالاً أيًّا كانت جنسيتهم، فإذا كانوا في تمام
الصحة والعافية عليهم أن يشكروا الله كثيرًا وعدم الاغترار
بهم، أمام الناس وخاصة أمام الذين لم ينعهم بهذه النعم، بل
يكون الإغترار والتفاخر بتربيتهم الصحيحة وتعلمهم أمور
دينهم وتقواهم.
6ـ كل عاقل يعلم أنّه لا دخل للإنسان في إنجاب الأطفال
عمومًا، لأنّ الإرادة الكلية هنا لله وحده، فقد يرزق
الأطفال لبعض ولا يرزق لأخر، أو يهب لمن يشاء ذكورًا
وإناثًا أو يهب فقط الذّكور أو فقط الإناث لأنه بيده كل
شيء. فقال تعالى (الذي خلق الموت والحياة ليَبلوَكُم
أيُّكم أحسن عملاً).
وقال الرسول الأكرم
(إذا
أحبّ الله قومًا ابتلاهم) رواه الطّبراني وابن ماجة،
ويتبين لنا من الأحاديث أنّ الابتلاء يصيبه المؤمن المحبوب
من قبل الله تعالى، والأولاد وسيلة لفلاح أو فشل الأفراد
من ابتلاءات الدنيا. وقد يتدخل الإنسان بنفسه في تحديد
قسمته في أنجاب الأطفال، وذلك بأن يهمل نفسه فيتمرض بمرض
شديد أو يأخذ الدواء خطاءً، فيتأثر به الجنين ويكون مانعًا
للإنجاب، وفي كلا الأمرين أيضًا بلاء على المسلمين، فلابد
لنا من الصبر والرّضاء بقدر الله تعالى وأن ننجح من كافة
ابتلاءات الدنيا لكي نحصل على رضا الله تعالى. لأنّ وجودنا
في حياة الدنيا هو رضا الله والتخلص من عذاب الله (يوم لا
ينفع مَالٌ وَلا بَنُون إلاّ مَن أتى الله بقلبٍ سليم).
7ـ وقد يبتلي الله الناس كذلك بأولاد الذكور أو الإناث أو
بالاثنان معًا أو لا يعطي بتاتًا لحكمة إلهيّة لا يعرفها
إلاّ الله تعالى. وفي كافة الأمور يحدث بحول وتقدير الله
تعالى، أما عن عدم إنجاب الزوجين الأولاد، يمكن لنا أن
نحكم على ظاهر الأمور إما سببها كان لمرض طارىء أو إرثي قد
أصابها أحد الزوجين أو أنهما منعوا الإنجاب سنين عديدة
وبعدها صعبت الإنجاب أو أنهم استعملوا بعض الأدوية
والعقاقير الطبية مما أدّى إلى عقم أحدهما، أو أن في ذلك
إرادة الله وقدرته وأنه ابتلاء أراد يبتلي عبده في حياة
الدنيا. ويمكن أن نضرب بهذا الأمر مثلاً أخر قد يجعل الله
تعالى لشخص ما أموالاً طائلة ويصبح غنيًّا من دون السعي
فنقول أنه محظوظ، ولكننا لا نفكر أنه قد اكتسبه بحول الله
تعالى وقدرته ليبتليه بها، وعكسها شخص أخر عندما لا يكتسب
أموالاً ويصبح فقيرًا ونظن أنّ السّبب فيه لأنه لم يسعى
ولم يعمل، والشخص الأخر بعد أخذه كافة أسباب النجاح فلم
يفلح ولم يكسب كثيرًا ونقول أنه غير محظوظ، وشخص أخر قد
كسب أمواله بعد سعيه واستعمال عقله وذكائه ويكون غنيًّا
ونقول له أنه إنسان داهي يعرف كيف يكسب قوته، وكل ذلك
ابتلاء للناس يعطي لمن يشاء ويأخذ ممن يشاء. ونحن لا نعلم
في أيّ منها خير أو شرٌّ لأمرنا. فعلينا أن نطلب من الله
خير الأمور وخير الأرزاق والأولاد وأن نشكر الله عند
التنعم بنعم الله وأن نصبر ونرضى بقدره عند عدم التنعم
بنعم الله.
فقال تعالى (الَم، أحسبَ الناس أن يُتركوا أن يقولوا أمنّا
وهم لايُفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله
الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين).
(ولنبلوّنكم بشئٍ من الخوف والجّوعِ ونقص من الأموال).
ونقول أن عدم الإنجاب أو إنجاب البنات فقط ليس موضع تفاخرٍ
أو إرتفاع درجة التّقوى، فقال الله تعالى (الكم الذّكر وله
الأنثى، تلك إذًا قِسمةً ضيزى)
ضيزى بمعنى نقصه وبخسه. (يهبُ لمن يشاء إناثًا ويهبُ لمن
يشاء ذكورًا، أو يُزوّجهم ذُكرانًا وإناثًا ويجعل من يشاء
عقيمًا إنّه عليمٌ قدير) الشّورى 49 ـ50. فكلها كما ذكرنا
ابتلاء لبني الإنسان.
ويقول
الشيخ سلمان عودة في كتابه:
الأولاد ابتلاء من الله لنا.
أن الأولاد ذكورًا كانوا أم إناثًا هم ابتلاء، فحينما
يولدون يبتلى الإنسان برعايتهم وبرزقهم وبالقيام على
شئونهم وبتربيتهم، وبالمحافظة على صحتهم، فالإنسان يسعى
وراءهم، والله عز وجل كتب هذا في نفوس الآباء برحمته
ليستمر البشر على ظهر هذه الأرض، ويقوما بعبوديتهم له جل
وعلا وعمارة الدنيا، ثم هم ابتلاء بعد ذلك حينما ينـزل بهم
قضاء الله تعالى وقدره بالموت، فيحزن لذلك الآباء، وكم من
أب بكى ابنه بدموع حارة. ولعلي أذكر منهم الشاعر المعروف
أبا
الحسن التهامي الذي رثا ابنه حين مات في قصيدة
رائعة، ومن ضمن هذه القصيدة يقول: يا كوكبًا ما كان أقصر
عمره وكذا تكون كواكب الأسحار جاورت أعدائي وجاور ربه شتان
بين جواره وجـواري ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء
جذوة نار فاقضوا مآربكـم عجالى إنما أعماركم سفر من
الأسفار ومثل الشاعر
ابن
الرومي توفي له ولد، فرثاه بقصيدة دالية جميلة
من عيون الشعر العربي، يقول فيها:
محمد ما شيء توهم سلوة لقلبي إلا زاد قلبي من الوجد أرى
أخويك الباقيين كليهما يكونان للأحزان أورى من الزند
وأولادنا مثل الجوارح أيها فقدناه كان الفاجع البين الفقد
لكلٍ مكانٌ لا يسد اختلاله مكان أخيه من صبور ولا جلد إلى
غير ذلك، وربما يكون من أعظم البلاء أن يبتلى الأب بوقوع
ابنه في شرك الانحراف، ولذلك فإن على الأب، أن يُعنى بصلاح
ولده، واستقامة خلقه ودينه، أكثر ما يُعنى بصحته وعافيته
وسلامته. رزقني الله تعالى وإياكم الذرية الصالحة. ووفقني
وإياكم إلى تربيتهم، والقيام عليهم، ورزقنا برهم، وجعلهم
ذخرًا لنا يوم نلقاه، واِستغفر الله تعالى لي ولكم، وأصلي
وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
8ـ أما الذين لم يُقسّم الله لهم الأطفال فعليهم بالصبر
الجميل وعدم الطغيان والعصيان لأمر قد يجعله الله لهم
خيرًا كثيرًا، لأن الهدف الأساسي من وجود الإنسان في
الدّنيا كما ذكرنا هو النّجاح من كافة الابتلاءات
والامتحانات. لأننا لانعرف هل في إنجاب الأطفال خيرٌ أم
شرّ لنا في الدنيا أو الأخرة فقال الله تعالى (وعسى أن
تحبّوا شيئًا فهو شرّ لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ
لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
وفي القرآن قصص حول الولد الصالح والطالح، مثل قصة ابن
النبي نوح عليه السلام "كنعان" عصى ربه وغُرق في البحر
ودخل النار. والأنبياء كذلك مرّوا بابتلاءات من العقم ثمّ
بشرهم بغلام مثل النبي زكريا بعد مرور سنوات رزقه الله له
بيحيى، وكذلك بشّر النبي إبراهيم بغلام عليم. وقصة نبينا
محمد عليه الصلاة والسلام أصبح له أولاد سبعة 3 بنات و4
ذكور ثم فقدهم وهو في الحياة إلاّ فاطمة. كما قلنا فالله
يرزق من يشاء بغير حساب، ويأخذها ممن يشاء.
9ـ الأطفال لا تغني ولا تنفع الأباء والأمهات يوم الحساب
ولكن قد ينفع أخلاقهم ودعائهم لهم فقط، إذا ربّوهم على
التقوى والتربية الإسلامية الجيدة، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد:
يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله)
متفق عليه.
وقال الله تعالى كذلك (إنّما أموالكم
وأولادكم فتنة والله عنده أجرٌ عظيم).
(لن تُغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيء).(فلا
تُعجبك أموالهم ولا أولادهم).
(وإخشوا يومًا لا يجزي والدٌ عن ولده).
(إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوًّا لكم فأحذروهم)
وآيات كثيرة. لذا على المسلمين أن لا يتنافسوا بالأموال
والأولاد وفي بقية متاع الدنيا الزّائلة وقد لا يجدي
الفائدة من كثرتها إلاّ الضّرر الكثير، لأنّ الغاية
الاساسية من كل الابتلاءات هي كسب رضاء الواحد الأحد بأحسن
صورة. والله يأمر المسلمين بالتّنافس في العبادة والتّقوى
والعمل الصالح.
10ـ ويُمكن للأشخاص المحرومين بنعم الأولاد أن يعوض الله
تعالى لهم في الأخرة وفي الجنة بأفضل منها وأكثرها. وبنعم
الله الكثيرة كذلك في الدّنيا كالأموال من الذّهب والفضّة
والنقود والبيوت الفاخرة والمزرعة والرّعي والأغنام
الكثيرة. أو بالعلوم الجليلة والأخلاق الفاضلة والإيمان
والزّواج والمقام والشّهرة والشّهوات من الأكل والشّرب
والملّذات الأخرى مثل لذّة شمّ الرّوائح العطرة أو بالسفر
والنّظر إلى جمال الخالق ومشاهدة المناظر الخلاّبة أو
السّماع لأصوات الطيور والبلابل. وقال الله تعالى (زيّن
للناس حبّ الشّهوات من النّساء والقناطير المقنطرة من
الذّهب والفضّة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع
الحياة الدّنيا والله عنده حُسن مآب).
(وإن تُعدّوا نعمة الله لا تُحصوها).
وقد يكون التنعم بالأطفال نقمة على الوالدين ولا نجد عندهم
الرّاحة والسعادة والطمأنينة في الحياة .
11ـ وللأولاد حقوق على الآباء بالإضافة إلى التربية
الصحيحة وتأمين العيش السعيد منها اختيار الاسم المناسب، فقال
(ص) (تسموّا باسماء الأنبياء ... وأحب الأسماء إلى الله:
عبدالله وعبدالرّحمن ... وأصدقها: حارث وهمام ...وأقبحها
حرب ومُرّة) رواه أبو داود والنّسائي، وقال (ص) (كلّ غلامٍ
رهنٌ بعقيقتهِ، تُذبح عنهُ يوم سابعهِ، ويُحلق، ويُسمى)
رواه أصحاب السّنن. وأن يُعينهم على برّهِ، ولا يُكلّفهم
من البّر فوق طاقتهم ولا يلحّ عليهم في وقت ضجرهم، ولا
يمنعهم من طاعة ربّهِ ولا يمنّ عليهم بتربيتهِ.
بل عليهم التّشجيع في أداء الفرائض.
فلكي يبرّنا أولادنا لا بدّ أن
نبرّهم، وأن نلتزم بحقوقهم وواجباتهم كما هو مبين في
شريعتنا الغرّاء.
وكذلك العطف والشّفقة عليهم، ومسؤول في أداء كافة
متطلّباتهم من مسكن وملبس ومأكل وتداوي وتعليم العلوم
والفنون فقال
(علّموا
أولادكم السّباحة والرّماية وركوب الخيل). (علّموا أولادكم
الصلاة في السبع).
ونحو ذلك.
12ـ الإسلام حافظ واهتم على الكليات الخمس الضرورية وهي:
حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال ووضع الحدود
والقيود التي تحافظ على هذه الضروريات الخمسة. وحفظ النسل
كما نرى من أحد العوامل الأساسية في الدّين الاسلامي.
13ـ الأبناء مطالبون بحسن اختيار الأب أو الأمّ، بحسن
الأخلاق والتقوى وهذا أمر من الله تعالى ومطالبون بأن لا
يطيعوا أوامر الآباء إذا خالفوا أوامر الله، ومطالبون
باختيار المكان الملائم لتنشئتهم، ومطالبون بأن ينشاؤا
تنشأة اسلامية صحيحة، لأنّنا في حاجة إلى جيل واع يدرك
مقاصد أعماله ولا يتصرّف
كيفما يشاء.
والله ولي التوفيق
نظام الدين إبراهيم أوغلو ـ تركيا